تُعدّ المساطحة من أبرز الحقوق العينية الأصلية التي نظّمها المشرّع العراقي ضمن منظومة الحقوق العينية العقارية، لما تُحدثه من فصلٍ وظيفيّ بين ملكية رقبة الأرض وملكية البناء والمنشآت المقامة عليها، بما يفضي إلى قيام “ملكية علوية” للمساطح تقابلها “ملكية سفلية” لمالك الأرض. وقد اكتسب هذا الحق أهمية متزايدة في الواقع العملي؛ إذ يُمثّل أداةً قانونية تُوازن بين حاجات التشييد والاستثمار من جهة، ومتطلبات استقرار الملكية والسجل العقاري وحماية الغير من جهة أخرى، ولا سيّما أن الحق لا ينشأ — في الأصل — إلا باتفاقٍ يقتضي استكمال شكليته بالتسجيل في دائرة التسجيل العقاري وفقاً لما قرّرته النصوص ذات الصلة في القانون المدني وقانون التسجيل العقاري.
وتتجلّى خصوصية حق المساطحة في كونه حقاً مؤقتاً بطبيعته، حدّد المشرّع سقفه الزمني الأعلى بما لا يتجاوز خمسين سنة في الإطار المدني والعقاري، مع ترتيب آثار عينية تمتدّ إلى قابلية الاحتجاج في مواجهة الكافة، وقابلية التصرف والانتقال بالميراث والوصية، فضلاً عن ملكية المساطح للبناء والمنشآت التي يُحدثها مع إمكان التصرف بها مقترناً بحق المساطحة. وفي المقابل، فإن هذا التنظيم لا يخلو من إشكالاتٍ تطبيقية دقيقة، أبرزها: أثر عدم التسجيل على تكييف العلاقة (هل تبقى مساطحة أم تتحوّل إلى علاقةٍ شخصية كالإجارة الطويلة أو “عقد خاص”)، وحدود سلطة المالك في التصرف بالأرض مع بقاء الحق قائماً، وموقع حقوق الغير (كالمرتهنين أو المتصرَّف إليهم) من تقلبات العلاقة العقدية.
مفهوم عقد المساطحة
يُقصد بحق المساطحة قانونا هو ما نصت عليه المادة 1266/1 من القانون المدني العراقي رقم 40 لسنة 1951 (حق المساطحة حق عيني يخول صاحبه ان يقيم بناء او منشات اخرى غير الغراس على ارض الغير وبمقتضى اتفاق بينه وبين صاحب الارض، ويحدد هذا الاتفاق حقوق المساطح والتزاماته).
ويُستفاد من هذا النص أن المساطحة:
- حق عيني عقاري يرد على عقار، وينشئ للمساطح سلطة مباشرة على محل الحق.
- مصدره الاتفاق (العقد) بوصفه سبباً منشئاً، إذ عبّر المشرّع عنه بالاتفاق.
- أنه عقد شكلي لا يكفي فيه التراضي وحده، بل يتوقف انعقاده وترتيب آثاره العينية على التسجيل في دائرة التسجيل العقاري.
لذا فالمساطحة هو تمكينُ شخصٍ يُسمّى المساطح من تشييد بناءٍ أو إنشاء منشآتٍ على أرضٍ مملوكةٍ للغير، على أن يكون محلُّ هذا الحق الأبنية أو المنشآت غير الغراس؛ إذ إن الغاية المتعلقة بالغراس قد عالجها المشرّع بعقدٍ مستقل هو عقد المغارسة. وبذلك تتجه المساطحة إلى البناء وما يتصل به من منشآتٍ للسكن كالدور، أو للإنتاج كالمعامل والمصانع، وتُعد من الحقوق التي تُنشئ وضعاً قانونياً مركّباً قوامه قيامُ بناءٍ على أرضٍ لا يملكها من شيده.
وقد اعتبر المشرّع حق المساطحة حقاً عينياً أصلياً، تحقيقاً لغايتين: الأولى تمكين المساطح من الانتفاع بالأبنية والمنشآت التي يُقيمها مدةً طويلة؛ والثانية إضفاء الحماية العينية اللازمة على هذا الحق باعتباره وارداً على شيءٍ معيّن وقابلاً للتتبع والاحتجاج في مواجهة الكافة.
لذا يُعدّ حق المساطحة من أهم الحقوق العينية التي نظمها المشرّع العراقي ضمن باب الحقوق العينية الأصلية، لما ينطوي عليه من تنظيمٍ دقيق لعلاقةٍ قانونية تُتيح لشخصٍ أجنبي عن ملكية الرقبة أن يُقيم بناءً أو منشآتٍ على أرض الغير، مع ترتيب آثار عينية قابلة للاحتجاج في مواجهة الكافة. وقد قيّد القانون مدة هذا الحق بما لا يزيد على خمسين سنة وفقاً لأحكام المادة (١/١٢٦٧) من القانون المدني العراقي، وهو قيدٌ يرتبط بطبيعة الحق بوصفه حقاً مؤقتاً بطبيعته، لا يُراد منه تأبيد تجزئة الملكية.
وعلى الرغم من أن عقد المساطحة يشتمل – من حيث الأثر – على عنصر الانتفاع كما في بعض عقود المنفعة، إلا أن الانتفاع ليس هو الصفة الجوهرية فيه، إذ إن الصفة الأصلية التي يقوم عليها هذا العقد هي التزام المساطح بالتشييد؛ فلا تتحقق المساطحة إلا بقيام البناء أو المنشآت فعلاً. ولهذا عدّ المشرّع حق المساطحة ضمن الحقوق العينية الأصلية صراحةً في المادة (٦٨/أولاً) من القانون المدني العراقي رقم 40 لسنة 1951 التي نصت على أن الحقوق العينية الأصلية تشمل: حق الملكية، وحق التصرف، وحق العقر، وحقوق المنفعة والاستعمال والسكن، والمساطحة، وحقوق الارتفاق، وحق الوقف، وحق الإجارة الطويلة.
كما عزّز قانون التسجيل العقاري هذا الاتجاه حين تناول أحكام المساطحة ضمن التصرفات الواردة على الحقوق العينية الأصلية. ويترتب على الطابع العيني للمساطحة أن للمساطح سلطةً عينية على محل الحق، بما يميّزه عن علاقة المستأجر في الإجارة التي تتأسس على التزامٍ شخصي في ذمة المؤجر. فالمساطح – بوصفه صاحب حق عيني – يستطيع من حيث المبدأ تتبع محل حقه والاحتجاج به قِبل الغير وفق القواعد العامة للحقوق العينية، في حين أن المستأجر يستمد مركزه من رابطةٍ شخصية محضة.
ويؤدي إنشاء حق المساطحة على أرض الغير إلى قيام ملكيتين مختلفتين إحداهما فوق الأخرى يفصل بينهما سطح الأرض:
- ملكيةٌ علوية للبناء والمنشآت تكون للمساطح.
- وملكيةٌ سفلية لرقبة الأرض تبقى لصاحبها
ويمتد نطاق حق المساطحة إلى سطح الأرض وما يتطلبه البناء من أجزاءٍ متممة، كما يمكن – تبعاً لطبيعة البناء أو المنشآت – أن يرد الحق على باطن الأرض بالقدر اللازم للتنفيذ (كالأساسات، الأقبية، أو المرافق المتممة)، وذلك بموجب اتفاق الطرفين، شريطة أن تؤول الأبنية أو المنشآت في نهاية المدة إلى صاحب الأرض وفقاً لما يرتبه العقد والقانون من آثار.
ويُشترط في حق المساطحة أن يكون قابلاً للتسجيل في دائرة التسجيل العقاري اذ نصت المادة (2/1266) مدني عراقي على وجوب تسجيل حق المساطحة في دائرة التسجيل العقاري، وهو ما يثير مسألة محورية تتمثل في: هل يُعد التسجيل ركناً للانعقاد أم وسيلةً للإثبات؟
لقد ساد اتجاهٌ قضائي سابق يُميل إلى أن عدم التسجيل لا يبطل العقد، وأن التسجيل يُطلب للإثبات والتوثيق. إلا أن الاتجاه القضائي الأحدث – وفق ما استقر عليه قضاء محكمة التمييز في التطبيق الحديث – اتجه إلى اعتبار التسجيل ركناً لازماً لإنشاء حق المساطحة بوصفه حقاً عينياً، وأن تخلفه يمنع قيام المساطحة بمعناها القانوني ويؤدي إلى تكييف العلاقة – عند الاقتضاء – على أنها إجارة طويلة أو “عقد خاص” لا يرقى إلى حق عيني مسجل ومن هذه القرارات هو قرار لمحكمة التمييز الاتحادية بالعدد 1733/تمييز/2008 . وهذا التطور له أثر مباشر في حماية الغير وفي استقرار السجل العقاري، ويستوجب بحثه تفصيلاً في موضعه عند تناول آثار عدم التسجيل ومعيار التكييف القضائي.
يتميز حق المساطحة بعدة أحكامٍ تؤكد طبيعته العينية:
- فهو لا يزول بزوال البناء قبل انتهاء المدة
- ينتقل بالميراث والوصية،
- يجوز للمساطح التصرف به تصرفاتٍ ناقلة أو مُقيدة للملكية، كالبيع والرهن وغيرها من عقود التمليك، على أن تُجرى هذه التصرفات وفق الأصول وفي دائرة التسجيل العقاري، بما ينسجم مع كونه حقاً عينياً يحتج به على الكافة ويُرتّب آثاراً تتجاوز أطراف العقد.
ومن القيود المهمة في نطاق المساطحة ما يتعلق بالأراضي التي تكون رقبتها مملوكة للدولة وحق التصرف فيها للأفراد إذ قررت المادة (231) من قانون التسجيل العقاري العراقي رقم (43) لسنة 1971 أنه: إذا وردت المساطحة على جزء معين من الأرض، وجب إجراء معاملة الإفراز لهذا الجزء قبل تسجيل حق المساطحة عليه، ويستفاد كذلك من أحكام قانون التسجيل العقاري – وبوجهٍ خاص من المادة (1/229) منه – أن حق المساطحة ينشأ على الأرض المملوكة أو الموقوفة وقفاً صحيحاً بتسجيل اتفاق صاحب الأرض والمساطح في السجل العقاري.
ويترتب على ذلك أن المساطحة لا تُرتب – من حيث الأصل – على الأراضي التي تكون رقبتها مملوكة للدولة ويكون للأفراد عليها حق التصرف؛ لأن “صاحب حق التصرف” لا يُعد مالكاً للرقبة، ولا يملك قانوناً إنشاء حق عيني أصلي من نمط المساطحة على رقبة لا يملكها، فضلاً عن أن هذا الترتيب يتعارض مع منطق السجل العقاري الذي يشترط أن يكون منشئ الحق هو “صاحب الأرض” بالمعنى الذي قصده قانون التسجيل العقاري.
ويتعزز هذا الاتجاه بما ورد في المادة (ثانياً) من قانون توحيد أصناف أراضي الدولة رقم (53) لسنة 1976، إذ إن المشرّع حين عدّد الحقوق التي يملك صاحب حق التصرف مباشرتها أو ترتيبها لم يُدرج ضمنها حق المساطحة، وهو ما يُفهم منه قصداً تشريعياً قوامه حصر تصرفات صاحب حق التصرف ضمن نطاق محدد لا يمتد إلى إنشاء مساطحة بوصفها حقاً عينياً أصلياً. وهذا ما أكده قرار لمحكمة التمييز الاتحادية بالعدد 1559/هيئة مدنية عقار/2009
هل تحتاج إلى مشورة قانونية دقيقة لضمان سلامة عقودك العقارية؟
تواصل الآن مع شركة أسامة طعمة للخدمات القانونية والإستشارات؛ فنحن شركة محاماة في العراق نمتلك الخبرة اللازمة لحماية حقوقك واستثماراتك بأعلى معايير المهنية.