هدف المشرع العراقي بنص المادة (72) من قانون العمل رقم 37 لسنة 2015 إلى كفالة مورد رزق العامل في فترة تعطله بتقرير حقه في أجره ليتمكن من مواجهة متطلبات الحياة، لأن أجر العامل هو مورد رزقه الوحيد في الغالب، فضلاً عن أن تعطله يُعزى إلى سبب خارج عن إرادته. ويُعدّ ذلك الحكم متماشياً مع مبادئ العدالة من جهة واستقراراً لعلاقات العمل من جهة أخرى وإقامةً لضمانة جديدة من ضمانات الأجر من جهة ثالثة. وقد سعى المشرع العراقي في نص المادة الثانية والسبعين أن يستند على نظرية خاصة بهذه الحالة بعيداً عن قواعد القانون المدني عُرفت بنظرية تحمل المخاطر. وبموجب هذه النظرية تُوزّع المخاطر الناشئة عن توقف العمل في المشروع بحيث يتحمل كل طرف المخاطر التي تدخل في دائرة نشاطه، فيتحمل صاحب العمل مسؤولية كل الحوادث التي تصيب المشروع وتؤدي إلى توقفه إذا كانت هذه الأسباب تدخل ضمن نشاطه، مع تحمل العمال جزءاً من المسؤولية بإمكانية تكليفهم بساعات عمل إضافية مجانية لوقت محدد.
المطلب الأول: توقف العمل نتيجة ظروف استثنائية أو قوة قاهرة
إذا توقف العمل في المشروع كلياً أو جزئياً بسبب ظروف استثنائية عامة أو قوة قاهرة كالحروب أو الاضطرابات الأمنية أو الكوارث الطبيعية أو القرارات الإدارية التي تمنع استمرار النشاط فإن المشرّع العراقي رتّب أثراً وفق الطابع الحمائي لقانون العمل رقم 37 لسنة 2015 لمصلحة العامل، إذ أوجب على صاحب العمل دفع أجور العمال عن مدة التوقف وبحد أقصى ثلاثين يوماً، بوصف أن التعطل في هذه الحالة لا يُعزى إلى خطأ العامل ولا إلى تقصيره، وإنما إلى سبب خارج عن إرادته. وفي المقابل، ومن أجل تحقيق التوازن وعدم تحميل صاحب العمل عبء التوقف كاملاً دون مقابل، أجاز المشرّع لصاحب العمل أن يكلّف العامل خلال مدة التوقف بعمل آخر غير العمل المتفق عليه على أن يكون مشابهاً له، كما أجاز تكليفه بعمل إضافي غير مدفوع الأجر تعويضاً عن الوقت الضائع، بشرط ألاّ يزيد هذا العمل الإضافي على ساعتين يومياً وبحد أقصى ثلاثين يوماً في السنة.
ويُعدّ امتناع العامل عن تنفيذ التكليف المشروع في هذه الحالة إخلالاً بمبدأ حسن النية الذي يوجب تعاون طرفي علاقة العمل عند وقوع الظروف الطارئة التي تهدد سير المشروع، لاسيما وأن المشرّع قد كفل للعامل الأجر خلال التوقف ضمن سقف محدد. كما يتعيّن، بزوال الظرف الاستثنائي أو القوة القاهرة، إعادة العامل إلى عمله الأصلي،
وفي الواقع العملي ونظرا لخبراتنا الواسعة في شؤون العمال والضمان الاجتماعي وتعاملنا مع كبرى الشركات الاستثمارية الأجنبية والعربية، حيث يقتضي التطبيق السليم لأحكام المادة (72) من قانون العمل رقم (37) لسنة 2015 أن يقوم صاحب العمل بتوجيه إنذار/إشعار تحريرّي إلى عمال المشروع لمدة (30) يوماً يُبيّن فيه أن المشروع قد تقرر إيقافه كلياً أو جزئياً بسبب ظروف استثنائية أو قوة قاهرة، مع التأكيد صراحةً على التزام صاحب العمل بدفع أجور العمال عن مدة التوقف لغاية ثلاثين يوماً عملاً بالنص المذكور. وبالتوازي مع ذلك، يتعين على صاحب العمل اتخاذ الإجراء الإداري الأصولي عبر تقديم طلب رسمي إلى دائرة التفتيش في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية لإثبات واقعة التوقف وتنظيم آثارها، وطلب إيقاف عقود العمل/تعليقها بصورة أصولية وفقاً للسياقات المعتمدة، بما يضمن توثيق سبب التوقف وتحديد مدته وآثاره على الأجور والحقوق العمالية، ويُقلّل من مخاطر المنازعات المستقبلية أو الادعاءات بإنهاء غير مشروع لعلاقة العمل.
المطلب الثاني: توقف العمل بسبب صاحب العمل
وقد يتوقف العمل في المشروع من دون قصد صاحب العمل لصعوبات لا تبلغ درجة القوة القاهرة بمعناها الدقيق، إذ يكون بإمكان صاحب العمل توقعها كما أنه لا تتخلف عنها استحالة مطلقة وإنما ينتج عنها اضطراب في تشغيل المشروع. وتدخل ضمن هذه الأسباب الصعوبات الاقتصادية والفنية كلها. وإذا كانت هذه الصعوبات كأصل عام لا تُعدّ من قبيل القوة القاهرة، إلا أنه يمكن أن تُوصف بذلك متى ما تعدّت الحدود العادية للتوقعات واتخذت شكلاً استثنائياً حقاً. فعلى سبيل المثال، فإن نقص المواد الأولية في السوق مما يتسبب في أن يكون عرض المواد فيها مضطرباً لا يُعدّ قوة قاهرة لصاحب العمل، أما إذا تسببت حرب أو فيضان في قطع الطرق التي تصل هذه المواد عبرها إلى المشروع فإن النقص يُعدّ في هذه الحالة ناشئاً عن قوة قاهرة كما في حالة الحرب بين ايران والولايات المتحدة الامريكية التي اثرت على الشرق الأوسط ومنها العراق وما نتج عن سد مضيق هرمز الذي يعد المعبر البحري للدول العربية والتي أدى الى قطع مرور الباخرات التي تنقل المواد وغيرها وكذلك توقف نقل النفط الذي يمثل 90% من واردات العراق الذي سيؤثر سلبا بالإضافة الى القصف الذي يصيب الدول العربية ومنها العراق وقطع الطرق والعديد من الاثار التي تعد قوة قاهرة.
الجزاء القانوني لمخالفة أحكام ساعات العمل
نص المشرع العراقي في المادة (73) من قانون العمل على معاقبة صاحب العمل المخالف لأحكام الفصل الثامن الخاص بساعات العمل بغرامة لا تقل عن مائتين وخمسين ألف دينار ولا تزيد على خمسمائة ألف دينار، وتتعدد الغرامة بقدر عدد العمال الذين وقعت في شأنهم المخالفة.
ومن صور المخالفات التي يُعاقب عليها صاحب العمل بموجب هذا النص زيادة ساعات العمل اليومية على ثماني ساعات في اليوم أو ثمان وأربعين ساعة في الأسبوع في غير الحالات الاستثنائية المنصوص عليها في القانون، وكذلك عدم تخلل ساعات العامل فترة راحة أو أكثر لا يقل مجموعها عن نصف ساعة ولا تزيد على ساعة. ويُعدّ هذا الجزاء من الضمانات المهمة التي قررها المشرع لحماية حقوق العمال وضمان التزام أصحاب العمل بالحدود القانونية لساعات العمل، إذ أن تعدد الغرامة بقدر عدد العمال المتضررين يجعل الجزاء رادعاً ومتناسباً مع حجم المخالفة.
انقضاء عقد العمل بسبب القوة القاهرة وفق قانون العمل العراقي رقم (37) لسنة 2015
نصّت المادة (43/أولاً/ط) من قانون العمل العراقي رقم (37) لسنة 2015 على أن عقد العمل ينتهي في حالة القوة القاهرة. ويُفهم من هذا النص أن المشرّع قرر سبباً خاصاً لانقضاء عقد العمل لا يعود إلى إخلال أحد طرفي العلاقة العمالية بالتزاماته، وإنما إلى ظرفٍ خارجيٍ استثنائي لا تُنسب فيه تبعة الإنهاء إلى العامل أو صاحب العمل، بوصف القوة القاهرة سبباً أجنبياً يقطع رابطة السببية ويجعل تنفيذ الالتزامات مستحيلاً.
المطلب الأول: الأساس القانوني لانقضاء عقد العمل بالقوة القاهرة
يتفق حكم المادة (43/أولاً/ط) مع القواعد العامة في القانون المدني العراقي والتي تناولناها في المبحث الاول ، إذ إن الأصل أن استحالة التنفيذ بسبب قوة قاهرة تُفضي إلى انفساخ العقد بقوة القانون (أي من تلقاء نفسه)، لأن محل الالتزام يصبح غير قابل للتنفيذ بصورة تامة ونهائية، ومن ثمّ تزول الرابطة العقدية دون حاجة إلى إنذار أو حكم قضائي منشئ، طالما ثبتت الاستحالة وتحققت شروطها.
وعلى هذا الأساس، فإذا استحال على أحد طرفي عقد العمل تنفيذ التزامه بسبب قوة قاهرة—بحيث تصبح مواصلة تنفيذ العقد غير ممكنة—فإن العقد ينقضي انقضاءً قانونياً لا بوصفه جزاءً على تقصير، وإنما بوصفه أثراً موضوعياً للاستحالة.
المطلب الثاني: أثر انقضاء عقد العمل بالقوة القاهرة في عقود المدة
يتميّز عقد العمل بأنه من عقود المدة؛ ومن ثمّ فإن انقضاءه بالقوة القاهرة لا يرتد بأثر رجعي إلى تاريخ إبرامه، بل يترتب أثره من تاريخ تحقق الاستحالة النهائية. ذلك أن عقود المدة تُستثنى من مبدأ الأثر الرجعي، لأن ما نُفذ من العقد قبل الاستحالة قد تحقق وانتج آثاره ولا محل لردّه.
وبناءً عليه، إذا انفسخ عقد العمل بسبب القوة القاهرة:
- فإن الانقضاء يقع من تاريخ تحقق الاستحالة لا من تاريخ انعقاد العقد.
- ولا يترتب على الانقضاء تعويض عن المدة المتبقية إذا كان العقد محدد المدة، ولا تعويض عن مهلة الإشعار إذا كان غير محدد المدة، لأن الإنهاء هنا ليس ناتجاً عن خطأ من أي طرف بل عن سبب أجنبي لا يد لهما فيه.
المطلب الثالث: التمييز بين الاستحالة النهائية والاستحالة الوقتية وأثر كل منهما
إن الاستحالة التي تُفضي إلى انقضاء عقد العمل بقوة القانون هي الاستحالة النهائية التي تُعدم إمكانية التنفيذ بصورة دائمة. أما الاستحالة الوقتية (المؤقتة) فلا تؤدي إلى انفساخ العقد، وإنما يترتب عليها وقف تنفيذ العقد طوال مدة قيام المانع، على أن يعود العقد إلى التنفيذ بزوال الاستحالة وعودة إمكانية الأداء وفق احكام المادة 72 من قانون العمل رقم 37 لسنة 2015.
ويُفهم من ذلك أن معيار الانقضاء أو الوقف يتحدد بمدى دوام المانع:
- فإذا كان المانع نهائياً: انقضاء العقد.
- وإذا كان المانع مؤقتاً: وقف العقد واستمرار الرابطة العمالية لحين زوال السبب
المطلب الرابع: صور استحالة التنفيذ في عقد العمل بسبب القوة القاهرة
قد تتحقق الاستحالة المانعة لتنفيذ عقد العمل بسبب القوة القاهرة في جانب العامل أو في جانب صاحب العمل، وذلك وفقاً لطبيعة الواقعة:
- في جانب العامل: كمرضٍ أو عجزٍ كلي يمنع العامل من أداء العمل بصورة نهائية.
- في جانب صاحب العمل أو المشروع: كوقوع زلزال أو حريق شامل أدى إلى هلاك المشروع وتعذر استمراره، أو صدور قرار حكومي يمنع صاحب العمل نهائياً من ممارسة النشاط أو يمنعه من استيراد المواد الأولية على نحو يؤدي إلى توقف المشروع توقفاً دائماً او وقوع حالة الحرب والتي تؤثر على المشروع .
وحيث انه رغم تقرير المشرع لاعتبار حالة القوة القاهر من أسباب انتهاء العقد الا انه يجب مراعاة أحكام المادة (72) عند توقف العمل بسبب القوة القاهرة حيث انه على الرغم من أن المادة (43/أولاً/ط) قررت انتهاء عقد العمل في حالة القوة القاهرة، إلا أن تطبيقها لا ينفصل عن حكم المادة (72) من قانون العمل ذاته، والتي نظمت أجور العامل عند توقف العمل بسبب الظروف الاستثنائية أو القوة القاهرة، وأقامت توازناً تشريعياً بين حماية أجر العامل ومصلحة صاحب العمل في إدارة آثار التوقف.
فقد قضت المادة (72) بما يأتي بإيجاز:
- أولاً: إذا توقف العمل كلياً أو جزئياً نتيجة ظروف استثنائية أو قوة قاهرة، يلتزم صاحب العمل بدفع أجور العمال عن فترة التوقف لغاية (30) ثلاثين يوماً، وله تكليف العامل بعمل مشابه أو بعمل إضافي غير مدفوع الأجر تعويضاً عن الوقت الضائع، على ألا يزيد عن ساعتين يومياً وبحد أقصى ثلاثين يوماً في السنة.
- ثانياً: إذا كان توقف العمل بسبب صاحب العمل، فعليه دفع أجور العمال كاملة عن فترة التوقف، وله تشغيل العامل بعمل إضافي مدفوع الأجر ضمن الحدود المقررة.
وعليه، فإن إنهاء عقد العمل بالقوة القاهرة وفق المادة (43/أولاً/ط) ينبغي ألا يُفهم بمعزل عن طبيعة توقف العمل:
- فإذا كانت القوة القاهرة تسبب توقفاً مؤقتاً فإن مقتضى ذلك هو تطبيق المادة (72) بوصفها تنظيماً خاصاً للوقف وحقوق الأجر خلاله.
- أما إذا كانت القوة القاهرة قد بلغت حد الاستحالة النهائية التي تجعل استمرار العلاقة العمالية غير ممكن، فحينئذٍ يتجه الحكم إلى انقضاء العقد وفق المادة (43/أولاً/ط)، مع مراعاة الحقوق المترتبة للعامل عن الفترة السابقة وحقوقه الناشئة عن انتهاء الخدمة وفق الأطر القانونية ذات الصلة.
وبذلك يتضح أن المشرّع العراقي لم يجعل القوة القاهرة سبباً آلياً لحرمان العامل من حقوقه، بل تبنى تدرجاً تشريعياً: وقف مع ضمان أجر محدد عند التوقف المؤقت، وانقضاء عند الاستحالة النهائية، بما ينسجم مع خصوصية عقد العمل وطبيعته الاجتماعية وأهداف قانون العمل في حماية العامل وتنظيم استقرار علاقات العمل.
الخاتمة
ختاماً، يتبيّن من العرض المتقدم أن القوة القاهرة، وإن كانت في أصلها نظرية عامة تستند إلى فكرة السبب الأجنبي في القانون المدني، إلا أن تطبيقها في مجال عقد العمل يكتسب خصوصية واضحة تفرضها الطبيعة الحمائية لقانون العمل العراقي. فقد أبرز البحث أن المشرّع لم يترك آثار الحوادث الاستثنائية—ومنها الحروب وما ينجم عنها من تعطّل المشاريع واضطراب سلاسل الإمداد وإغلاق الطرق والمنافذ—خاضعة للقواعد المدنية وحدها، بل وضع تنظيماً خاصاً يوازن بين استمرار مورد رزق العامل وبين حماية المشروع من الانهيار.
وقد أظهر تحليل نصوص قانون العمل رقم (37) لسنة 2015 أن حماية الأجر لا تقوم على مجرد الاعتبارات الإنسانية فحسب، وإنما تقوم على قواعد تشريعية دقيقة؛ فالمادة (40) أسست لافتراض قانوني يجعل حضور العامل واستعداده بمثابة أداء للعمل متى كان التعذر ناشئاً عن سبب خارج عن إرادته، بما في ذلك الأسباب الأجنبية التي قد ترقى إلى قوة قاهرة. كما بيّنت المواد (71) و(72) أن المشرّع واجه الظروف الاستثنائية بمنطق تنظيم المخاطر وتوزيع آثارها، فأجاز الخروج المنضبط عن الحد الأقصى لساعات العمل عند الضرورة، وقرر حق العامل في الأجر عند توقف المشروع مدة معينة، مقابل إتاحة آليات محددة لتعويض الوقت الضائع ضمن سقوف قانونية لا تُهدر جوهر حق العامل.
ومن ثمّ، فإن النتيجة الأساسية التي ينتهي إليها هذا البحث هي أن أثر القوة القاهرة على عقد العمل في التشريع العراقي لا يُفهم بوصفه إعفاءً مطلقاً أو إسقاطاً تلقائياً للحقوق والالتزامات، بل هو إطار قانوني تنظيمي يُدار عبر قواعد خاصة تستهدف: (1) صيانة الأجر بوصفه حقاً معيشياً، (2) ضمان استمرار علاقة العمل واستقرارها كلما أمكن، (3) تمكين صاحب العمل من تجاوز الأزمة بحدود محسوبة، و(4) فرض جزاءات رادعة عند تجاوز تلك الحدود أو إساءة استعمالها. وبذلك تتأكد وظيفة قانون العمل كتشريعٍ اجتماعي يغلّب مبدأ حماية العامل، دون أن يُفرّط في متطلبات تشغيل المشروع واستمراره، وهو ما يجعل دراسة القوة القاهرة في هذا المجال ذات أهمية عملية متزايدة، لا سيما في بيئات تتكرر فيها الأزمات والظروف الاستثنائية.
عندما تتوقف المشاريع، تبرز خبرتنا لضمان استمرارية حقوقكم. تقدم شركة أسامة طعمة للخدمات القانونية والإستشارات حلولاً قانونية شاملة تتماشى مع معايير العدالة والإنصاف. إذا كنت تبحث عن موثوقية شركة محاماة في العراق لانتزاع حقوقك في أجور العمال عند توقف العمل في المشروع، فلا تتردد في الاتصال بنا اليوم لبدء مسار قانوني ناجح.