<meta name="google-site-verification" content="4XN2SjXYk6LK9bqfiZoXeTd2r_847Kmu9bOlJezEu_A" />

أثر القوة القاهرة على عقد العمل في ظل قانون العمل

أثر القوة القاهرة على عقد العمل في ظل قانون العمل

يُعدّ عقد العمل من أهم العقود التي تنظم العلاقة بين العامل وصاحب العمل، إذ يرتب التزامات متبادلة على عاتق كل منهما، فيلتزم العامل بأداء العمل المتفق عليه ويلتزم صاحب العمل بدفع الأجر المقابل لذلك العمل. غير أن تنفيذ هذه الالتزامات قد يعترضه ظروف استثنائية أو أحداث غير متوقعة تجعل التنفيذ مستحيلاً أو مرهقاً، وهو ما يُعرف في الفقه والقانون بالقوة القاهرة.

وقد عُني المشرع العراقي في قانون العمل رقم (37) لسنة 2015 بتنظيم آثار القوة القاهرة والظروف الاستثنائية على عقد العمل، وذلك حمايةً للطرف الضعيف في العلاقة التعاقدية وهو العامل، الذي يمثل أجره مورد رزقه الوحيد في الغالب. فقد تضمن القانون عدة نصوص تعالج حالات توقف العمل في المشروع لأسباب خارجة عن إرادة العامل، سواء كانت هذه الأسباب راجعة إلى القوة القاهرة أو إلى فعل صاحب العمل أو إلى سبب أجنبي آخر.

وتكمن أهمية هذا البحث في تسليطه الضوء على الأحكام القانونية المتعلقة بأثر القوة القاهرة على عقد العمل، لا سيما في ظل الظروف الاستثنائية التي شهدها العراق من أحداث أمنية واقتصادية أثّرت بشكل مباشر على استمرارية العمل في المشاريع المختلفة ومنها الحرب الحالية التي اثرت على الشرق الأوسط بشكل كبير بسبب حالة الحرب والقصف بين الدول وكذلك اغلاق مضيق هرمز الذي يعد الشريان للدول الخليج العربي ومنها العراق في تصديره للنفط الامر الذي يؤثر سلبا على الوضع الاقتصادي وخصوصا لاصحاب المشاريع . لذا يهدف البحث إلى تحليل النصوص القانونية ذات الصلة، وبيان موقف القضاء العراقي من المسائل التي تثيرها هذه النصوص، وصولاً إلى استخلاص القواعد العامة التي تحكم أثر القوة القاهرة على حقوق العامل والتزامات صاحب العمل.

وقد اعتمد البحث على المنهج التحليلي في دراسة نصوص المواد (40) و(71) و(72) و(73) من قانون العمل العراقي رقم (37) لسنة 2015، فضلاً عن النصوص ذات الصلة في القانون المدني العراقي رقم (40) لسنة 1951، مع الاستعانة بالتطبيقات القضائية لمحكمة التمييز الاتحادية والآراء الفقهية المقارنة.

مفهوم القوة القاهرة وشروطها في القانون العراقي

تعريف القوة القاهرة وأساسها القانوني

تُعرّف القوة القاهرة بأنها (كل فعل لا شأن لإرادة المدين فيه، ولا يمكن توقعه ولا منعه، ويجعل تنفيذ الالتزام مستحيلاً استحالة تعفي المدين من المسؤولية العقدية والتقصيرية). وقد تناول المشرع العراقي مفهوم القوة القاهرة في عدة نصوص من القانون المدني العراقي رقم (40) لسنة 1951، إذ نصت المادة (168) منه على أنه إذا استحال على الملتزم بالعقد أن ينفذ الالتزام عيناً حُكم عليه بالتعويض لعدم الوفاء بالتزامه، ما لم يتبين أن استحالة التنفيذ قد نشأت عن سبب أجنبي لا يد له فيه. كما نصت المادة (211) من القانون ذاته على أنه إذا أثبت الشخص أن الضرر قد نشأ عن سبب أجنبي لا يد له فيه، كآفة سماوية أو حادث فجائي أو قوة قاهرة أو فعل الغير أو أخطاء المتضرر، كان غير ملزم بالضمان ما لم يوجد نص أو اتفاق على غير ذلك.

وقد نصت المادة (425) من القانون المدني العراقي على أنه ينقضي الالتزام إذا أثبت المدين أن الوفاء به أصبح مستحيلاً عليه لسبب أجنبي لا يد له فيه. وأوضحت المناقشات التي دارت بين لجنة مشروع القانون المدني العراقي مفهوم عبارة السبب الأجنبي الذي لا يد له فيه الوارد في هذه المادة، وهي إما أن تكون القوة القاهرة أو الحادث الفجائي وهما شيء واحد إذا نُظر إليه من حيث عدم إمكانية دفعه فهو قوة قاهرة وإذا نُظر إليه من حيث عدم إمكانية توقعه فهو حادث فجائي، أو خطأ الدائن، أو خطأ الغير أي شخص غير الدائن والمدين.

 شروط تحقق القوة القاهرة في القانون العراقي

يُستنتج من التعريف المتقدم للقوة القاهرة أن ثمة شروطاً لازمة لإعمالها.

  1. فالشرط الأول : يتمثل في ألّا يكون الخطأ أو الحادث أو الفعل الضار صادراً عن المدين، فإن كان صادراً عنه عُدّ مقصّراً ولزمه الضمان. اما
  2. الشرط الثاني : فيقتضي أن يكون الحادث أمراً لا يمكن توقعه مطلقاً عند إبرام العقد، فإن كان أمراً يمكن توقعه فإنه لا يُعدّ قوة قاهرة. وحسماً للخلاف بين المتعاقدين فيما يُعدّ قوة قاهرة فإن المحاكم تذهب إلى أن يكون المعيار في ذلك موضوعياً حسبما تملي الظروف عادةً، فلا يُقاس عدم إمكان التوقع بشخصية كل من المتعاقدين بل يُقاس بالشخص المعتاد.
  3. والشرط الثالث : يقضي بأن يجعل الحادث المفاجئ أو الخطأ غير المتوقع تنفيذ الالتزام مستحيلاً استحالة مطلقة لا نسبية، أي مستحيل التنفيذ بالنسبة إلى أي شخص يكون في موقف المدين.

ومن أمثلة القوة القاهرة كسر قطعة من قطع السيارة فجأة وبصورة لا تعود إلى خطأ السائق، واختلال توازن السائق لحركة مفاجئة من أحد السابلة في الطريق تصدر فجأة وليس في وسع السائق تفاديها. كما تُصنّف حوادث القوة القاهرة إلى نوعين رئيسيين: الأول هو القوة القاهرة بحسب أصل الحادث، إذ تنشأ القوة القاهرة إما عن فعل الطبيعة كالزلازل والصواعق والفيضانات والثلوج،

وإما عن فعل الإنسان كثورة شعبية أو سرقة مسلحة أو العنف القانوني او حالة الحرب كما في حالة الحرب بين ايران والولايات المتحدة الامريكية

النوع الثاني

هو القوة القاهرة بحسب موضوع الالتزام، إذ ينحصر عملياً تطبيق القوة القاهرة في مجال الالتزام بعمل أو في مجال الالتزام بالامتناع عن عمل أو الالتزام بإعطاء شيء معين بالذات.

وتخضع القوة القاهرة لقاعدة عامة هي قاعدة التكافؤ التام بين طبيعة القوة القاهرة ومدى آثارها، فقد تكون القوة القاهرة تامة كاملة تصيب التزام المدين بأجمعه فتجعله مستحيل التنفيذ، وقد تكون جزئية فيقتصر أثرها على الجزء الذي أصابته من التزام المدين، وقد تكون عارضة مؤقتة فيقتصر أثرها على وقف تنفيذ العقد لا إنهائه. وإذا كانت القوة القاهرة هي السبب الوحيد في وقوع الضرر فإنها تؤدي إلى نفي المسؤولية عن المدين لأنها أدت إلى انقطاع علاقة السببية بين فعل المدين وبين الضرر، أما إذا اشتركت القوة القاهرة مع أخطاء المدين في إحداث الضرر فإن المدين يُسأل مسؤولية تامة عن ذلك الضرر لأنه لا يمكن في مثل هذه الحال تقسيم المسؤولية بين المدين وشخص آخر.

وتجدر الإشارة إلى أنه إذا طرأت حوادث استثنائية عامة لم يكن بالوسع توقعها وترتب على حدوثها جعل الالتزام مرهقاً وليس مستحيلاً، فهذا يفسح المجال لتطبيق نظرية الظروف الطارئة على وفق الشروط الواردة في المادة (146) من القانون المدني العراقي، لكون الظروف الاستثنائية التي تطرأ أثناء تنفيذ الالتزام وتجعله مرهقاً وليس مستحيلاً لها أحكام خاصة في القانون المدني تختلف عن أحكام القوة القاهرة.

النوع الثالث: تمييز القوة القاهرة عن الحادث الفجائي

يذهب الرأي الراجح في الفقه إلى أن القوة القاهرة والحادث الفجائي هما شيء واحد على الرغم من كون التعبيرين مختلفين، فإن أحدهما يكمل الآخر، إذ تُبرز القوة القاهرة خصيصة استحالة الدفاع بينما يُبرز الحادث الفجائي خصيصة عدم إمكانية التوقع.

فالبعض يرى أن القوة القاهرة هي حادث خارجي كصاعقة تنقض أو عاصفة تهب أو حرب تشب، أما الحادث الفجائي فهو أمر داخلي كامن في الشيء نفسه كآلات تنفجر في مصنع ومواد قابلة للالتهاب تلتهب وقطار يخرج عن الشريط. ويرى فريق آخر أن القوة القاهرة تسبب استحالة تنفيذ الالتزام استحالة مطلقة، أما الحادث الفجائي فيسبب استحالة نسبية، أي أن هذا المدين بالذات لا يستطيع القيام بالالتزام وإن كان غيره لو وُجد مكانه يستطيع ذلك. ويقول فريق ثالث إن القوة القاهرة هي حادث يؤدي بنفسه إلى استحالة التنفيذ، أما الحادث الفجائي فحادث لا يؤدي إلى استحالة التنفيذ إلا بالنسبة للظروف المحيطة به.

ومقياس التفريق بين القوة القاهرة والحادث الجبري هو أن الأخير حادث داخلي أي متصل بنشاط المدين، والقوة القاهرة حادث خارجي غير متصل بعمل المدين أو نشاطه، وأن القوة القاهرة وحدها تُعدّ سبباً من أسباب الإعفاء من المسؤولية دون الحادث الجبري لأن الحادث الجبري وحده هو المتصل بنشاط المدين بحيث يمكن عزوه إليه. ويتضح مما تقدم أن التمييز بين القوة القاهرة والحادث الفجائي لا يقوم على أساس صحيح، لذلك يقول جمهور الفقهاء بعدم التمييز بينهما وعلى هذا أيضاً إجماع القضاء.

أما المشرع العراقي فقد سار على التمييز بين القوة القاهرة والحادث الفجائي في قانون النقل العراقي رقم (80) لسنة 1983، إذ عدّت المادة (11) منه القوة القاهرة سبباً لانتفاء مسؤولية الناقل عن الأضرار التي تحصل للراكب أثناء تنفيذه عقد النقل، وأرجعت هذه المادة القوة القاهرة إلى عوامل خارجية لم تنبع من دائرة نشاط الناقل ولم يكن في الإمكان توقعها أو تلافي أثرها، أما فيما تعلق الأمر بالحادث الفجائي فإن الناقل يتحمل نتيجة ما يصيب الراكب من ضرر.

الخاتمة

ختاماً، يتضح من هذا المبحث أن القوة القاهرة في القانون العراقي تُعدّ تطبيقاً لـ فكرة السبب الأجنبي وفق القواعد العامة في القانون المدني، وأن أثرها الجوهري يتمثل في نفي المسؤولية وانقضاء الالتزام أو وقف تنفيذه متى تحققت شروطها المتمثلة بـ: عدم نسبة الحادث للمدين، وعدم إمكان توقعه وفق معيار موضوعي، وأن يترتب عليه استحالة مطلقة للتنفيذ. كما تبيّن أن الفقه والقضاء يميلان إلى عدم إقامة تمييز حقيقي بين القوة القاهرة والحادث الفجائي، وأن العبرة في النهاية ليست بالتسمية، بل بمدى تحقق عنصري عدم التوقع وعدم الدفع وأثرهما على علاقة السببية واستحالة التنفيذ، مع التمييز الضروري بينها وبين نظرية الظروف الطارئة متى كان الالتزام مرهقاً لا مستحيلاً.

عندما تهدد الأحداث غير المتوقعة استقرارك، فإن الاستراتيجية القانونية الاستباقية هي أفضل دفاع لك. اكتشف راحة البال التي لا مثيل لها مع شركة أسامة طعمة للخدمات القانونية والإستشارات، بصفتنا شركة محاماة في العراق موثوقة وخبيرة. ابدأ في تحصين اتفاقيات العمل الخاصة بك اليوم وتواصل مع فريقنا.

© 2026 جميع الحقوق محفوظة - شركة أسامة طعمة للخدمات القانونية والإستشارات