يُعدّ عقد المساطحة من أبرز الوسائل القانونية التي اعتمدها المشرّع العراقي وسيلةً لتمكين المستثمرين من إقامة مشاريعهم الاستثمارية على الأراضي المملوكة للدولة أو للقطاعين الخاص والمختلط، وذلك بالنظر إلى ما يوفّره هذا العقد من مرونة في منح المستثمر حق البناء والتشييد على أرض الغير لمدة زمنية محددة دون نقل ملكية الأرض ذاتها. وقد تزايدت أهمية هذا العقد في ظل التوجّه المتنامي نحو جذب الاستثمارات وتنشيط الحركة الاقتصادية في العراق، مما دفع المشرّع إلى تنظيم العلاقة بين حق المساطحة والنشاط الاستثماري بنصوص تشريعية خاصة تتجاوز الأحكام العامة الواردة في القانون المدني.
الإطار التشريعي لعقد المساطحة في مجال الاستثمار
أرسى قانون الاستثمار رقم (١٣) لسنة 2006 الأساس القانوني لاستخدام عقد المساطحة في المجال الاستثماري، حيث نصّت المادة (١٠/ثالثاً/أ) منه على أن (للمستثمر العراقي أو الأجنبي الحق في استئجار العقارات أو المساطحة عليها من الدولة أو من القطاعين الخاص والمختلط لغرض إقامة مشاريع استثمارية عليها، وذلك لمدة لا تتجاوز خمسين سنة قابلة للتجديد بموافقة الهيئة مانحة الإجازة والجهة ذات العلاقة، مع مراعاة طبيعة المشروع والجدوى الاقتصادية منه). ويُلاحظ أن المشرّع قد استثنى من هذا الحكم المشاريع الصناعية المشيّدة في المدن الصناعية التي تُملَّك بموجب بدل وحسب التعليمات النافذة.
ويتّضح من هذا النص أن المشرّع قد وسّع نطاق استخدام عقد المساطحة ليشمل المشاريع الاستثمارية بمختلف أنواعها، وجعل الحد الأقصى لمدته خمسين سنة وهو ذات الحد المقرر في القانون المدني العراقي، مع إضافة إمكانية التجديد بموافقة الجهات المختصة وهو ما يمنح المشاريع الاستثمارية مرونة أكبر في ضمان استمراريتها. كما أن النص جاء شاملاً للمستثمرين العراقيين والأجانب على حدٍّ سواء، مما يعكس رغبة المشرّع في تهيئة بيئة استثمارية جاذبة لا تُميّز بين المستثمرين على أساس الجنسية فيما يتعلق بحق المساطحة.
وقد جاء نظام الاستثمار رقم (٢) لسنة 2009 حيث نصّت المادة (٣٩) منه على أن (تُعدّ الهيئة الوطنية للاستثمار تقريراً عن طبيعة المشروع ومدى الجدوى والفائدة التي يحققها للاقتصاد الوطني، للاستفادة منه عند تحديد مدة المساطحة أو تجديدها). ومؤدّى ذلك أن تحديد مدة عقد المساطحة في المجال الاستثماري لا يُترك لمحض إرادة الأطراف المتعاقدة، وإنما يخضع لتقييم موضوعي تُجريه الهيئة المختصة يأخذ في الحسبان طبيعة المشروع ومردوده الاقتصادي، وهو ما يُشكّل ضمانة إضافية لتحقيق التوازن بين مصلحة المستثمر ومصلحة الاقتصاد الوطني.
وتأسيساً على ذلك صدر نظام بيع وإيجار عقارات وأراضي الدولة والقطاع العام لأغراض الاستثمار والمساطحة عليها رقم (٦) لسنة 2017 الذي نظّم بشكل تفصيلي آليات التعامل مع العقارات المخصصة للمشاريع الاستثمارية وحدّد بدلات الإيجار والمساطحة وفقاً لطبيعة كل مشروع. ثم أعقبه صدور نظام بيع وإيجار عقارات وأراضي الدولة والقطاع العام لأغراض الاستثمار والمساطحة عليها رقم (١٢) لسنة 2025 الذي ألغى النظام السابق باستثناء المشاريع الاستثمارية الحاصلة على الاجازة الاستثمارية قبل تاريخ نفاذ نظام رقم 12 لسنة 2025 وأعاد تنظيم هذه المسائل بصورة أكثر شمولية وتفصيلاً بما يتواءم مع المستجدات الاقتصادية والاستثمارية في البلاد، مع مراعاة الحقوق المكتسبة للمشاريع الحاصلة على إجازات استثمار في ظل الأنظمة السابقة.
آليات تقدير بدلات المساطحة وتنظيمها
أولى المشرّع العراقي اهتماماً بالغاً بمسألة تقدير بدلات المساطحة في المشاريع الاستثمارية، وذلك بتشكيل لجان متخصصة تتولى هذه المهمة وفق ضوابط محددة. وقد بيّن نظام بيع وإيجار عقارات وأراضي الدولة والقطاع العام لأغراض الاستثمار والمساطحة عليها رقم (٦) لسنة 2017 في المادة (2) آلية تشكيل هذه اللجان على مستويين: المستوى الأول يخص المشاريع الاستراتيجية والمشاريع ذات الطابع الاتحادي والمشاريع التي تبلغ قيمتها مائتين وخمسين مليون دولار أمريكي فأكثر، حيث تتشكّل لجنة برئاسة رئيس الهيئة الوطنية للاستثمار وعضوية ممثلين عن هيئة استثمار الإقليم أو المحافظة المعنية والهيئة العامة للضرائب ودائرة التسجيل العقاري والجهة المالكة للعقار. أما المستوى الثاني فيخص المشاريع التي تقل قيمتها عن هذا المبلغ، وتتشكّل اللجان فيه برئاسة رئيس هيئة الاستثمار في الإقليم أو المحافظة مع عضوية ممثلين عن الجهات ذاتها على مستوى المحافظة.
وقد أعاد نظام بيع وإيجار عقارات وأراضي الدولة والقطاع العام لأغراض الاستثمار والمساطحة عليها رقم (١٢) لسنة 2025 تنظيم هذه اللجان مع إجراء تعديلات جوهرية على تشكيلها واختصاصاتها. فمن حيث التشكيل أصبحت رئاسة اللجنة في المستوى الأول لممثل الهيئة الوطنية للاستثمار بدلاً من رئيسها شخصياً. ومن حيث الاختصاص رفع النظام الجديد سقف قيمة المشاريع التي تختص بها اللجنة الأولى إلى مليار دولار أمريكي بدلاً من مائتين وخمسين مليون دولار كما كان في النظام السابق، مما يعني توسيع صلاحيات اللجان المحلية لتشمل مشاريع أكبر حجماً. كما نصّ النظام الجديد في المادة (٢/ثالثاً) على أن ينعقد نصاب هذه اللجان بحضور أغلبية الأعضاء وأن تُتّخذ قراراتها بالأغلبية المطلقة لعدد أعضائها، وهو ما يُضفي مزيداً من الانضباط الإجرائي على عملها.
وفيما يتعلق بإلزامية التقديرات الصادرة عن هذه اللجان، فقد أكّد كلا النظامين على أن الجهات المالكة للعقارات ملزمة ببدلات البيع أو الإيجار أو المساطحة المقدّرة من هذه اللجان، وأنه في حال عدم التزامها تتولى الهيئة الوطنية للاستثمار عرض محاضر التقدير على مجلس الوزراء لإصدار القرار المناسب باعتمادها. كما ألزم النظامان الجهات المالكة بإبرام عقود التصرفات القانونية على العقارات المخصصة للمشاريع الاستثمارية خلال ثلاثين يوماً من تاريخ تقدير البدلات. وقد أضاف النظام الجديد ضمانة إضافية بموجب المادة (١/ثالثاً) تتمثّل في وجوب تسليم العقار المخصص للمشروع إلى المستثمر خلال ثلاثين يوماً من تاريخ منح الإجازة الاستثمارية خالياً من الشواغل، ومنح مجلس الوزراء صلاحية نقل ملكية العقارات بدون بدل إلى الهيئة الوطنية للاستثمار في حال تأخّر الجهات المالكة عن التسليم لمدة تتجاوز ستين يوماً.
ومما يلفت الانتباه أن النظام الجديد نصّ في المادة (٨) على إعادة النظر في تقدير بدلات الإيجار أو المساطحة كل خمس سنوات من تاريخ بدء التشغيل التجاري أو الإنتاج للمشروع، وهو ما يُشكّل آلية لتحقيق التوازن المالي بين أطراف العلاقة التعاقدية في ظل المتغيّرات الاقتصادية التي قد تطرأ خلال مدة العقد الطويلة.
أحكام بدلات الإيجار والمساطحة وفقاً لطبيعة المشاريع الاستثمارية
تبنّى النظامين اعلاه نهجاً قائماً على التمييز بين المشاريع الاستثمارية بحسب طبيعتها وموقعها عند تحديد نسب بدلات الإيجار والمساطحة، وذلك بهدف تشجيع أنواع معيّنة من الاستثمارات وتوجيهها نحو القطاعات ذات الأولوية للاقتصاد الوطني.
بدلات الإيجار والمساطحة في ظل النظام بيع وإيجار عقارات وأراضي الدولة والقطاع العام لأغراض الاستثمار والمساطحة عليها رقم (٦) لسنة 2017
حدّد النظام 2017 في المادة (5) نسب بدلات الإيجار والمساطحة للأراضي المخصصة للمشاريع الاستثمارية بشكل تفصيلي وفقاً لطبيعة كل مشروع.
- للمشاريع السكنية والمدن السكنية متعددة الأغراض حدّد النظام بدل الإيجار أو المساطحة بنسبة سبعة بالمائة من بدل الإيجار المقدّر بنسبة عشرة بالمائة من القيمة الحقيقية للأرض، مع إلزام المستثمر بإعادة الأراضي المخصصة للنفع العام كالحدائق والشوارع إلى الجهات الحكومية المعنية مجاناً خلال ستين يوماً من تاريخ إنجاز المشروع. وقد استثنى النظام من ذلك الأراضي المخصصة للخدمات العامة غير الربحية داخل المجمعات السكنية كمراكز الشرطة والإطفاء ودور العبادة.
- المشاريع الصناعية المقامة في المناطق المخصصة للاستثمار الصناعي فقد حُدّد بدل إيجارها أو مساطحتها بنسبة اثنين بالمائة، وهي ذات النسبة المقررة للمشاريع الكهربائية والنفطية وغيرها الواقعة خارج حدود البلدية والمنفّذة بصيغة البناء والتشغيل والتحويل أو البناء والتشغيل والتملّك أو غيرها من الصيغ المشابهة. للمشاريع الخدمية كالمؤسسات الصحية والتعليمية بخمسة بالمائة،
- للمشاريع السياحية والترفيهية بعشرة بالمائة.
- المشاريع التجارية كالمراكز التجارية والفنادق فقد اعتمد النظام فيها نظام النسبة المتدرّجة، حيث تكون عشرة بالمائة للخمس عشرة سنة الأولى من تاريخ بدء التشغيل التجاري ثم تتحوّل إلى ثلاثة بالمائة من قيمة الأرض بعد انتهاء تلك المدة.
وفيما يخص استحقاق البدلات وتوزيعها، فقد نصّ النظام في المادة (7) على أن تؤول بدلات البيع أو الإيجار أو المساطحة إلى الخزينة العامة على أن يُعاد تخصيص خمسين بالمائة منها إلى الجهة المالكة للأرض وتؤول النسبة المتبقية إلى موازنة الجهات الحكومية المعنية بتقديم خدمات البنى التحتية الخارجية أو المرافق العامة داخل المشروع. كما قرّر النظام أن يبدأ تاريخ استحقاق البدلات من تاريخ بدء التشغيل التجاري أو الإنتاج للمشروع مع إلزام المستثمر بإنجازه خلال المدة المحددة في العقد.
بدلات الإيجار والمساطحة في ظل نظام بيع وإيجار عقارات وأراضي الدولة والقطاع العام لأغراض الاستثمار والمساطحة عليها رقم (١٢) لسنة 2025
جاء النظام رقم (١٢) لسنة 2025 بتعديلات جوهرية على منظومة بدلات الإيجار والمساطحة للمشاريع الاستثمارية، حيث اعتمد معياراً مزدوجاً في تحديد البدلات يقوم على طبيعة المشروع وموقعه بالنسبة للتصميم الأساس للمدن.
- للمشاريع الاستثمارية داخل التصميم الأساس حدّد النظام في المادة (٥/أولاً) بدلاً سنوياً مقداره أربعة بالمائة من القيمة الحقيقية للأرض للمشاريع التجارية، ثلاثة بالمائة للمشاريع الترفيهية أو الخدمية أو الزراعية أو الصناعية غير الملوّثة.
- المشاريع الواقعة خارج التصميم الأساس فحُدّد لها بدل سنوي مقداره واحد بالمائة من القيمة الحقيقية للأرض للمشاريع الصناعية أو الزراعية، واثنان بالمائة للمشاريع الترفيهية أو الخدمية أو التجارية.
ومن أبرز المستجدات التي أتى بها النظام الجديد تنظيمه لمسألة تملّك الأراضي المخصصة للمشاريع السكنية تنظيماً مفصّلاً، حيث قرّر في المادة (٤/أولاً) أن تُملَّك الأراضي داخل التصميم الأساس ببدل مقداره تسعون بالمائة من القيمة الحقيقية للأرض يُسدَّد على مراحل مرتبطة بنسب إنجاز المشروع، بينما تُملَّك الأراضي الواقعة خارج التصميم الأساس بدون بدل بشرط ألّا تُحتسب قيمة الأرض ضمن قيمة الوحدة السكنية المباعة للمواطن. كما نظّم النظام تملّك الأراضي المخصصة للمشاريع الصناعية بنسب متفاوتة تتراوح بين واحد بالمائة للمشاريع داخل المدن الصناعية والاقتصادية والتنموية خارج التصميم الأساس وثلاثين بالمائة للمشاريع الصناعية الواقعة خارج التصميم الأساس.
وفيما يتعلق بأيلولة البدلات فقد اعتمد النظام الجديد معياراً مغايراً لما كان عليه الحال في النظام السابق، إذ نصّت المادة (٧/أولاً) على أن تؤول بدلات البيع أو الإيجار أو المساطحة إلى الخزينة العامة الاتحادية إذا كانت الجهة المالكة للأرض ممولة مركزياً، بينما تؤول إلى الجهة المالكة إذا كانت ممولة ذاتياً. كما أكّد النظام على أن تاريخ استحقاق بدل الإيجار أو المساطحة يبدأ من تاريخ بدء التشغيل التجاري أو الإنتاج، مع إضافة حكم جديد يقضي بأنه إذا كان المشروع يُنفَّذ على مراحل فإن تاريخ الاستحقاق يُحتسب من تاريخ بدء التشغيل التجاري لكل مرحلة على حدة.
وقد عالج النظام الجديد مسألة المشاريع القائمة في ظل الأنظمة السابقة من خلال المادة (٩) التي قرّرت استمرار سريان البدلات المحددة في ظل النظام الذي مُنحت الإجازة في ظله على المشاريع الحاصلة على إجازات استثمار قبل نفاذ النظام الجديد، وهو ما يُجسّد احترام المشرّع لمبدأ الحقوق المكتسبة وعدم المساس بالمراكز القانونية المستقرة.
الخاتمة
يتبيّن مما تقدّم أن حق المساطحة في التشريع العراقي يشكّل نموذجاً متقدّماً للحقوق العينية الأصلية ذات الطبيعة الزمنية، يقوم على فكرة تمكين المساطح من إقامة بناءٍ أو منشآتٍ على أرض الغير مع استقلال ملكية المحدثات عن رقبة الأرض، بما يفضي إلى قيام ملكيتين متوازيتين يفصل بينهما سطح الأرض: ملكيةٌ علوية للمساطح وملكيةٌ سفلية لصاحب الرقبة. وقد حرص المشرّع على إحاطة هذا الحق بحماية عينية تتيح تتبّعه والاحتجاج به في مواجهة الكافة، مع تأكيد قابليته للانتقال والتصرف والرهن والإرث والوصية، وعدم زواله بزوال البناء قبل انتهاء مدته.
كما أبرزت النصوص أن المساطحة لا تستقيم – بوصفها حقاً عينياً عقارياً – إلا باستكمال ركنها الشكلي المتمثل بالتسجيل في دائرة التسجيل العقاري؛ إذ إن التسجيل ليس مجرد توثيق، بل هو الأداة التي تنتقل بها العلاقة من نطاق الالتزام الشخصي إلى نطاق الحق العيني المحتج به على الغير. وفي هذا الإطار، تُظهر التطبيقات القضائية اتجاهاً عملياً مفاده أن عدم التسجيل يُضعف مركز المساطح في مواجهة الغير ويقود – عند النزاع – إلى تكييف العلاقة بوصفها “عقداً خاصاً” أو إجارة طويلة، مع إمكان إعمال نظرية تحوّل العقد وفقاً للقواعد العامة، بما يرسّخ مركزية التسجيل في استقرار المعاملات العقارية وصيانة الثقة بالسجل.
هل تخطط لإقامة مشروع استثماري وتبحث عن شركة محاماة في العراق تمتلك الخبرة في قوانين المساطحة والعقارات؟ تواصل اليوم مع شركة أسامة طعمة للخدمات القانونية والإستشارات للحصول على الدعم القانوني الأمثل وضمان سلامة تعاقداتك مع الجهات الحكومية والخاصة.