التنظيم القانوني لحساب الضمان في التشريع العراقي
في عالم المعاملات المالية والتجارية المعقدة، تُعد "الثقة" العملة الأكثر قيمة، ولكنها في الوقت ذاته الأكثر ندرة وهشاشة. ومع تطور النظم الاقتصادية وتشعب العلاقات التعاقدية، لم يعد مجرد التراضي بين الطرفين (الإيجاب والقبول) كافياً لضمان تنفيذ الالتزامات، لا سيما في العقود التي تتسم بالتراخي الزمني، مثل عقود التطوير العقاري، أو تلك التي تنطوي على مخاطر عالية مثل التجارة الدولية وعمليات الاستحواذ والاندماج. من هنا برزت الحاجة الماسة إلى آليات قانونية ومصرفية تملأ الفراغ بين "لحظة التعاقد" و"لحظة التنفيذ التام"، وتضمن حقوق الأطراف في مواجهة تقلبات السوق أو سوء نية أحد المتعاقدين.
يُمثل حساب الضمان (Escrow Account) الاستجابة التشريعية والمصرفية الحديثة لهذه التحديات. فهو ليس مجرد وعاء مالي لحفظ الأموال، بل هو مؤسسة قانونية متكاملة تقوم على فكرة "الحياد الإيجابي" لطرف ثالث، يتولى إدارة المخاطر نيابة عن المتعاقدين. وفي السياق العراقي، يكتسب هذا الموضوع أهمية استثنائية نظراً لمرحلة إعادة الإعمار والنمو المتسارع في قطاع الاستثمار العقاري، وما رافقه من إشكاليات قانونية تتعلق ببيع الوحدات السكنية على الخارطة
الفصل الأول: الإطار المفاهيمي والتأصيل الفقهي لحساب الضمان
المفهوم الوظيفي لحساب الضمان: أبعد من مجرد "وديعة"
يُعرف حساب الضمان البنكي في الفقه القانوني والمصرفي بأنه حساب منفصل ومستقل، يُنشأ بموجب اتفاق خاص، ويودع لدى طرف ثالث محايد (Escrow Agent) - وعادة ما يكون مصرفاً مرخصاً - للاحتفاظ بأموال أو أصول أو مستندات نيابة عن طرفين أو أكثر مشاركين في معاملة معينة. جوهر هذا الحساب يكمن في "التعليق الشرطي"؛ فالأموال المودعة لا تكون حرة التصرف لأي من الطرفين، بل تظل محبوسة قانوناً حتى استيفاء شروط محددة بدقة في اتفاقية الضمان.
تتجلى الوظيفة الحمائية لحساب الضمان في معالجة إشكالية "الدفع مقابل التنفيذ". ففي المعاملات التجارية التقليدية، يخشى المشتري دفع الثمن قبل استلام السلعة خوفاً من الغش أو عدم المطابقة، بينما يخشى البائع شحن البضاعة قبل استلام الثمن خوفاً من إعسار المشتري. يتدخل حساب الضمان كمنطقة عازلة آمنة؛ حيث يودع المشتري الأموال (مما يثبت جديته وملاءته)، ولا يفرج عنها الوكيل للبائع إلا بعد التحقق من تنفيذ الالتزام (وصول البضاعة، أو إنجاز مرحلة البناء). وبذلك، يتحقق الأمان المزدوج: حماية المشتري من الاحتيال، وحماية البائع من مخاطر عدم السداد.
تطبيقات حساب الضمان في السياقات المتعددة:
رغم أن التركيز في العراق ينصب حالياً على القطاع العقاري، إلا أن التطبيقات العالمية والمحلية لحساب الضمان تشمل طيفاً واسعاً من المعاملات:
- عمليات الاندماج والاستحواذ (M&A): عند استحواذ شركة على أخرى، غالباً ما يحتفظ المشتري بجزء من ثمن الصفقة في حساب ضمان لفترة محددة (Holdback Escrow). الغرض من ذلك هو تأمين تغطية أي التزامات غير ظاهرة قد تكتشف لاحقاً، أو لضمان تعويضات عن أي تحريف في البيانات المالية المقدمة من الشركة المُباعة.
- الملكية الفكرية والبرمجيات: في اتفاقيات ترخيص البرمجيات الحيوية، يُستخدم "ضمان الشيفرة المصدرية" (Source Code Escrow)، حيث تودع الشركة المطورة "الكود المصدري" لدى طرف ثالث، لضمان حق المرخص له في الوصول إلى الكود وتطويره في حال إفلاس الشركة المطورة أو توقفها عن تقديم الدعم الفني.
- التجارة الدولية: يسهل حساب الضمان التبادل التجاري عبر الحدود بتقليل مخاطر الثقة بين مستورد ومصدر في بلدين مختلفين، حيث تُحجز الأموال لحين تقديم وثائق الشحن والمطابقة.
- المعاملات عبر الإنترنت: في منصات التجارة الإلكترونية والعمل الحر، تعمل المنصة كوكيل ضمان، حيث تحتفظ بمال المشتري ولا تطلقه للبائع إلا بعد تأكيد استلام الخدمة أو السلعة.
الطبيعة القانونية المركبة للعلاقة
يثير تكييف العلاقة القانونية في حساب الضمان جدلاً فقهياً، فهي ليست علاقة وديعة بسيطة، ولا وكالة مجردة. في القانون العراقي، يمكن تكييفها على أنها "عملية مصرفية مركبة" تجمع خصائص عدة عقود:
- عقد الوديعة (Deposit): حيث يلتزم المصرف بحفظ الأموال. ولكنها تختلف عن الوديعة العادية بأن المودع (المشتري) يفقد حق استردادها بإرادته المنفردة، والمودع لديه (المصرف) لا يملك حرية استعمالها في عملياته الاستثمارية العادية بنفس الطريقة المطلقة للحسابات الجارية.
- عقد الوكالة (Agency): المصرف وكيل عن الطرفين في تنفيذ تعليمات اتفاقية الضمان. ومع ذلك، فإن مسؤوليته تتجاوز مسؤولية الوكيل العادي، حيث يُلزم بالتحقق المادي من الشروط (مثل نسب الإنجاز) وليس مجرد تنفيذ الأوامر.
- الاشتراط لمصلحة الغير: قد يتضمن العقد شروطاً لصالح جهات رقابية (مثل هيئة الاستثمار)، مما يجعله عقداً ذا أبعاد تنظيمية عامة وليست خاصة فقط.
الفصل الثاني: التمييز بين حساب الضمان والأدوات المصرفية التقليدية
لفهم عمق الحماية التي يوفرها حساب الضمان، لا بد من تمييزه عن الأدوات المشابهة التي نظمها قانون التجارة العراقي رقم 30 لسنة 1984، وهي الاعتماد المستندي وخطاب الضمان. هذا التمييز هو الاتي:
التمييز بين الاعتماد المستندي وحساب الضمان
يُعد كلٌّ من الاعتماد المستندي وحساب الضمان من الأدوات التي تستهدف تعزيز الثقة وتقليل مخاطر عدم التنفيذ في المعاملات وحيث ان التمييز بينهما هو الاتي:
- من حيث التعريف:
حيث ان الاعتماد المستندي وفق المادة (273) من قانون التجارة رقم (30) لسنة 1984 فهو عقدًا مصرفيًا يتعهد بمقتضاه المصرف بفتح اعتماد لصالح المستفيد بناءً على طلب الآمر، ويكون ذلك بضمان مستندات تمثل بضاعة منقولة أو معدّة للنقل، وبهذا يتضح أن الاعتماد المستندي يقوم على تعهد مصرفي بالوفاء/القبول/الخصم متى قُدمت مستندات مطابقة لشروط الاعتماد.
اما حساب الضمان (Escrow):
فيقوم حساب الضمان على فكرة حجز الأموال لدى طرف ثالث محايد (غالبًا مصرف بوصفه أمين الحساب) بحيث تُصرف الأموال عند تحقق شروط متفق عليها. وقد عرّفته المادة (1/ث) من ضوابط مسك حساب ضمان التطوير العقاري بأنه
"الحساب المصرفي الخاص بالمشروع العقاري الذي تُودع فيه مبالغ المشترين للوحدات السكنية على الخارطة أو ممولي المشروع"
وعليه، فحساب الضمان ليس “عقد تمويل أو وفاء مقابل مستندات” بقدر ما هو آلية ضبط وصرف مقيد لحركة الأموال المرتبطة بالمشروع.
- من حيث محل الالتزام :
ان الاعتماد المستندي يكون محل التزام المصرف هو التعامل مع المستندات وليس مع البضائع ذاتها؛ إذ يلتزم المصرف بتنفيذ شروط الوفاء والقبول والخصم المتفق عليها ما دامت المستندات مطابقة لما ورد في الاعتماد بموجب المادة ( 273) من قانون التجارة رقم 30 لسنة 1984، ويلتزم بالتحقق من مطابقة المستندات لتعليمات الآمر، فإذا رفض المستندات وجب عليه إخطار الآمر مع بيان أسباب الرفض وفق المادة ( 279 ) من قانون التجارة رقم 30 لسنة 1984.
أما حساب الضمان فمحلّه الأساسي هو الأموال المودعة ذاتها، ويكون الصرف مشروطًا بقيود تنظيمية وإجرائية نصت عليها ضوابط مسك حساب ضمان التطوير العقاري الصادر عن البنك المركزي العراقي إذ لا يمكن السحب من حساب الضمان إلا بموافقة هيئة الاستثمار معززًا بتقرير جهة استشارية وفق المادة (2/م) من الضوابط . فالعبرة هنا بتحقق شروط الصرف المرتبطة بتقدم المشروع وطلبات الإطلاق، لا بتقديم مستندات شحن/تجارة.
- من حيث الاستقلالية:
ويتميز الاعتماد المستندي بمبدأ الاستقلال بوضوح؛ إذ نصت المادة (273) على أن عقد الاعتماد المستندي مستقل عن العقد الذي فُتح الاعتماد بسببه، ويبقى المصرف أجنبيًا عنه. وهذا يعني أن نزاعات تنفيذ العقد الأصلي (بيع/توريد…إلخ) لا تعطل التزام المصرف متى تحققت مطابقة المستندات.
بينما حساب الضمان يرتبط عادةً ارتباطًا وثيقًا بالمشروع/العقد الذي أُنشئ الحساب من أجله؛ لأن الصرف فيه مقيد بشروط تنفيذية وإشرافية (موافقة الهيئة مانحة الاجازة و تقرير استشاري)، وبذلك يكون حساب الضمان أقرب إلى إدارة مخاطر التنفيذ ومراقبة تدفق الأموال بما ينسجم مع مراحل المشروع، لا مجرد تعهد مستقل بالدفع مقابل مستندات.
- من حيث المسؤولية :
اما من حيث مسؤولية المصرف وحدودها ففي الاعتماد المستندي حدّد المشرّع نطاق مسؤولية المصرف على أساس “ظاهر المستندات”؛ إذ لا يسأل المصرف إذا كانت المستندات مطابقة في ظاهرها للتعليمات التي تلقاها من الآمر، كما لا يتحمل أي التزام يتعلق بالبضائع التي فُتح الاعتماد بسببها وفق المادة (280) من قانون التجارة رقم 30 لسنة 1984 . فالمصرف هنا مسؤول عن فحص المستندات وفقًا لشروط الاعتماد، لا عن سلامة البضاعة أو مطابقتها الواقعية.
اما في حساب الضمان تكون مسؤولية المصرف (أمين الحساب) مرتبطة بواجبه في إطلاق المبالغ عند تحقق شروط الإطلاق وفق الفقرات (د-ط-م-ص) في المادة 2 من الضوابط المشار اليها
وقد رتبت الضوابط المشار اليه في المادة( 2/ك) جزاءً خاصًا عند عدم التزام المصرف بإطلاق المبالغ المستحقة، يتمثل في غرامة تأخيرية مقدارها (5,000,000) دينار عن كل يوم تأخير. وهذا يُظهر أن دور المصرف هنا ليس فحص مستندات شحن، بل الالتزام بالصرف المقيد ضمن الإطار التنظيمي وبالمواعيد.
- من ناحية الإلغاء:
اما من ناحية الإلغاء فقد نصت المادة (275) من قانون التجارة على إمكان كون الاعتماد المستندي باتًا أو قابلاً للإلغاء، ولكن الأصل العام أنه يكون قابلاً للإلغاء ما لم يُتفق على كونه باتًا. وهذه الخاصية تؤثر في درجة استقرار مركز المستفيد ومدى إمكانية تعديل/إنهاء الاعتماد.
أما حساب الضمان ففكرته قائمة على “تجميد الأموال” وإخضاعها لشروط الصرف، وهو بطبيعته أقل قابلية للتلاعب لأن الأموال موجودة ومقيّدة داخل الحساب، ولا تُطلق إلا وفق القيود (ومنها موافقة الهيئة المانحة للاجازة والتقرير الاستشاري في حساب ضمان التطوير العقاري ) وفق المادة 2/م.
- الجزاءات
في الاعتماد المستندي رتّب القانون وفق المادة (275) من قانون التجارة رقم 30 لسنة 1984 آلية لمعالجة تقاعس الآمر عن دفع قيمة المستندات المطابقة؛ فإذا لم يدفع الآمر قيمة مستندات الشحن المطابقة خلال مدة (6) أشهر من تاريخ تبليغه بوصول المستندات، جاز للمصرف بيع البضائع بالمزاد العلني بعد تبليغ الآمر بموعد البيع ومكانه.
في حساب الضمان حيث ان الجزاء الذي أبرزته الضوابط في حال تقصير أمين الحساب هو الغرامة التأخيرية، ويُفهم منها أن البنك المركزي العراقي قد أصدر ضوابط مسك حساب ضمان التطوير العقاري الصادر عن البنك المركزي العراقي ووضع جزاء المتمثل في المادة 2/ك بفرض غرامة تاخيرية قدرها (5,000,000 مليون دينار) عن كل يوم تأخير او استبدال امين الحساب في حالة تلكؤ في اطلاق الدفعات وفق الجدول المحدد حيث تهدف إلى منع تعطيل الصرف المستحق بما يضر بالمشروع أو بحقوق المشترين/الممولين.
لذا يمكن القول إن الاعتماد المستندي هو آلية وفاء مصرفي مستقل يُفعّل بالدقة الشكلية لمطابقة المستندات، ويظل المصرف فيه أجنبيًا عن علاقة البيع وبضائعه (م 273، 279، 280). أما حساب الضمان فهو آلية حفظ وصرف مقيد للأموال لدى طرف ثالث محايد، تتحدد حركة السحب فيه بتحقق شروط تنفيذية ورقابية (وفي التطوير العقاري: موافقة هيئة الاستثمار وتقرير استشاري) مع ترتيب جزاءات عند تعطيل الإطلاق، بما يجعله أقرب إلى ضمان “إدارة الأموال وفق تقدم التنفيذ” لا “الدفع مقابل مستندات شحن”.
إذا كنت تبحث عن شركة محاماة في العراق لصياغة اتفاقيات حساب الضمان ومراجعة التزامات الأطراف وضمان الامتثال لضوابط البنك المركزي، تواصل مع شركة أسامة طعمة للخدمات القانونية والإستشارات للحصول على استشارة متخصصة.