تأثير الأسيكودا على الأمانات الضريبية في المنافذ الجمركية
يقصد بـ الأمانات الضريبية المبالغ التي تقوم السلطات باستيفائها من المستوردين في المنافذ الحدودية مقدماً كـ"وديعة" لحساب الضرائب، وذلك لضمان اقتطاع جزء من الأرباح أو الالتزامات الضريبية مقدماً من المستوردين الذين يحققون دخلاً من بيع تلك البضائع. هذه الآلية معمول بها في العراق لضمان عدم تهرب التجار من دفع الضرائب المستحقة على أرباحهم لاحقاً، ولرفد الخزينة بجزء من الإيرادات بشكل آني.
تاريخياً، تعرض نظام جباية الأمانات الضريبية للأخذ والرد. فقد تم إيقافه في بعض الفترات لتخفيف الأعباء عن التجار أو لتعارضه مع أنظمة إلكترونية غير مكتملة. على سبيل المثال، في عام 2023 صدر قرار وزاري (23085 لسنة 2023) أوقف أو خفّض جباية الأمانات في المنافذ كمبادرة لتنشيط التجارة. لكن مع نهاية 2025 ارتأت الحكومة إعادة تفعيل هذا النظام ضمن حزمة الإصلاحات الجديدة.
جاء نظام الأسيكودا ليوفر المنصة التقنية المناسبة لتطبيق جباية الأمانات الضريبية بكفاءة وشفافية. وقد نص قرار مجلس الوزراء رقم 957 لسنة 2025 صراحة على إعادة استيفاء الأمانات الضريبية عبر الأسيكودا وعلى وفق جداول ونسب محددة. يتيح الأسيكودا أن تُضاف خانة أو بند في بيان التخليص الجمركي يتم عبره حساب قيمة الأمانة الضريبية تلقائياً بنسبة معينة من قيمة البضاعة المستوردة (بعد الرسوم الجمركية). وبمجرد تسجيل البيان ودفع الرسوم الجمركية، يقوم النظام أيضاً بإضافة مبلغ الأمانة الضريبية المطلوب تحصيله. هذه العملية تتم إلكترونياً بالكامل، بحيث يُصدر النظام إيصال قبض رسمي بقيمة الأمانة الضريبية باسم المستورد. ويتم تحويل هذه المبالغ يومياً أو بشكل متواصل إلى حساب خاص لهيئة الضرائب كما ذكرنا.
من الناحية القانونية، الأمانات ليست ضريبة جديدة بحد ذاتها، وهو ما أكدت عليه هيئة الجمارك تفادياً لأي لغط. فقد نشرت الهيئة العامة للجمارك توضيحاً رسمياً بأن لا ضرائب جديدة فُرضت على التجار أو السلع المستوردة, وإنما ما يستوفى حالياً هو أمانات تُحول إلى حساب الضرائب. وأوضحت أن هذه الأمانات ستُسوى في نهاية السنة المالية مع التجار عبر الهيئة العامة للضرائب. أي أن التاجر عند تقديمه إقراره الضريبي السنوي عن أعماله (ومن ضمنها بيع البضائع المستوردة)، سيجد أن ما دفعه مقدماً من أمانات سيُنسب إلى ما عليه من ضريبة دخل أو أرباح. فإن ظهر أنه دفع أمانات أكثر من الضريبة الواجبة، فسيستحق استرجاع الفرق. وإن كان ما دفعه أقل، فيلزمه تسديد الباقي. هذه الآلية أشبه بنظام الحجب أو الاقتطاع المقدم (Withholding) الذي يُمارس لضمان تحصيل الضرائب من المصدر.
يساهم الأسيكودا هنا في ضبط عملية التحصيل والتسوية بميزات لم تكن متاحة سابقاً بسهولة:
- أولاً، يضمن النظام التوحيد في استيفاء الأمانات على الجميع دون استثناء أو مجال للاجتهاد الشخصي. فالنسبة محددة سلفاً في جداول النظام بحسب نوع السلعة أو تصنيف المستورد (مثلاً قد تختلف النسبة لمواد غذائية عن مواد إنشائية، أو بحسب كون المستورد شركة مسجلة أو فرد).
- ثانياً، يوفر النظام شفافية وقابلية تتبع للأموال المحصلة. فكل مبلغ يُجبى كأمانة يُسجل باسم مستورد محدد وتحت رقم بيان جمركي وتاريخ محدد. هذا يسهل على هيئة الضرائب لاحقاً مطابقة ما وصلها من إيرادات مع ملفات الشركات، ويحول دون أي تلاعب أو إخفاء لتلك المبالغ.
- ثالثاً، أصبحت عملية التسوية السنوية عملية إدارية منظمة أكثر من ذي قبل. فبعد انتهاء السنة، تستطيع هيئة الضرائب عبر واجهات الأسيكودا استخراج تقرير بكل ما دفعه كل مستورد من أمانات طوال العام. ثم تقارن ذلك بما يجب عليه دفعه من ضرائب فعلية بناء على إقراره. فإذا لم يتقدم بإقرار ضريبي، يصبح ما دفعه من أمانات على الأقل تحصيلاً لخزينة الدولة، مع إمكانية مطالبته قانونياً ببقية الالتزامات أو فرض غرامات إن تهرب. أما إن قدم الإقرار فتحسب الفروق كما أسلفنا. وقد حددت التعليمات التنظيمية وجوب إنجاز التسويات ورد الفروق خلال مدة زمنية محددة، مع تشكيل لجان للنظر في الاعتراضات لضمان حقوق المكلفين.
- رابعاً، سهّل النظام التنسيق بين هيئة الجمارك وهيئة الضرائب من خلال الربط الإلكتروني. حيث لم يعد الأمر يتطلب مخاطبات ورقية وجمع يدوي للوصولات؛ بل صار لدى الجهتين وصول مشترك للمعلومات عبر الأسيكودا. وهذا يقلل الأخطاء ويسرّع إنجاز التسويات، بل ويتيح اكتشاف حالات التهرب الضريبي بسهولة أكبر (مثلاً شركة استوردت بكميات كبيرة ودُفعت عنها أمانات ضخمة لكنها لم تقدم إقراراً ضريبياً ملائماً – سيظهر ذلك جلياً للسلطات).
- خامساً، من الناحية الاقتصادية، وفر التحصيل المقدم تدفقاً نقدياً فورياً للحكومة طوال العام بدلاً من انتظار موسم التحاسب الضريبي. وهذا يساعد في تمويل الموازنة ويخفف من أثر التراجع في الإيرادات النفطية جزئياً. وقد رأينا أن جزءاً من دوافع إحياء هذه الأمانات كان سد عجز الموازنة المتنامي لعام 2023–2024، رغم تأكيد الخبراء أن العائد السنوي من الجمارك والضرائب الإضافية لن يغطي سوى جزء محدود من ذلك العجز.
من جهة أخرى، تسبب تطبيق الأمانات الضريبية ببعض الجدل بين الأوساط التجارية، لا سيما عند تطبيقه المتزامن مع زيادة الرسوم الكمركية. فالتاجر بات يدفع عند المنافذ الآن رسوماً جمركية أعلى بالإضافة إلى نسبة مقدرة من الضرائب مقدماً، مما شكّل عبئاً مالياً أكبر على السيولة لديه. وقد اعتبر بعضهم ذلك ازدواجاً ضريبياً مؤقتاً إلى حين استرجاع الفائض في نهاية العام. وعلى الرغم من أن اقتصاديين أوضحوا أن هذه الأمانات ليست ضريبة جديدة بل مجرد توزيع للعبء الضريبي على السنة، فإن الشعور السائد لدى المستوردين كان سلبياً إلى حد ما، خاصة وأن إعادة مبالغ الأمانات الزائدة تتطلب إجراءات وقد تواجه تأخيراً أو بيروقراطية. لكن الحكومة سعت لطمأنة التجار بأن الإجراءات تتم بسلاسة عبر النظام الإلكتروني دون إضافة أي أعباء غير قانونية.
كذلك، كان على الشركات أن تأخذ بعين الاعتبار هذا الدفع المسبق للضريبة في خططها المالية. بمعنى أن تكلفة الاستيراد لم تعد تقتصر على السعر ورسوم الجمارك، بل هناك جزء (قد يكون 3–5% من القيمة مثلاً حسب المادة) يجب دفعه مقدماً كأمانة ضريبية، مما يؤثر على التدفق النقدي للمستوردين. وقد نصحت التقارير المالية الشركات بضبط سياساتها النقدية وفق ذلك، لأنه تغير يؤثر على رأس المال العامل ويستلزم إدارة أفضل للسيولة.
على صعيد آخر، ساهم الربط بين الأسيكودا ومنصة بيع العملة (مزادات الدولار) في مكافحة تهريب العملة. حيث صدر توجيه من البنك المركزي بأن أي تاجر يطلب تحويلاً بالدولار لاستيراد بضائع يجب عليه تقديم إثبات دفع الرسوم الجمركية والأمانات الضريبية مسبقاً عبر الأسيكودا. ونتيجة لهذا الإجراء، انخفض الإقبال على الدولار الرسمي من قبل بعض الجهات التي كانت تستغله للمضاربة أو التهريب، مما أدى إلى ارتفاع سعر الدولار في السوق الموازية مؤقتاً. لكن في المقابل، زادت شفافية العمليات التجارية, فكل من يحصل على الدولار بسعر البنك أصبح مرتبطاً بعملية استيراد فعلية مسجلة نظامياً، مما قلل من ظاهرة الفواتير الوهمية والمبالغ بها التي كانت تستخدم سابقاً لإخراج العملة. وعزا خبراء ارتفاع سعر الصرف قليلاً إلى هذه الإجراءات التي "ضيّقت الخناق" على من كانت غاياتهم غير مشروعة ودَفعتهم للجوء للسوق السوداء، معتبرين ذلك دليلاً على نجاح الرقابة رغم كلفتها المؤقتة.
بشكل عام، يمكن تقييم تأثير الأسيكودا على الأمانات الضريبية بأنه نقل هذه العملية من نطاق الفوضى والاجتهاد إلى نطاق مؤسسي منظم. فقد أصبحت قانونية التحصيل أوضح للمكلفين (مجرد دفعة مقدمة تُسوّى لاحقاً), وأصبحت أموال الأمانات أكثر أماناً في الوصول إلى وجهتها الصحيحة (حسابات الضرائب) بدلاً من احتمالات التسرب أو الفساد التي قد تحدث في نظام يدوي غير مركزي. وأخيراً فإن دمج هذه العملية في المنصة الجمركية الشاملة يعكس نهج الحكومة في توحيد قواعد البيانات المالية والضريبية, مما يمهد لخطوات أخرى في الإصلاح المالي الشامل.
خاتمة
يُمثل تطبيق نظام الأسيكودا في العراق نقلة نوعية في الإدارة الجمركية والضريبية من زاوية الأتمتة والحوكمة الإلكترونية. فمن خلال هذا النظام تم فرض سيادة القانون في استيفاء الرسوم الجمركية كاملة غير منقوصة وفق جداول التعرفة الرسمية، كما تم تنظيم عملية تحصيل الضرائب المسبقة (الأمانات) بشفافية وربطها بمنظومة التحويلات المالية. وقد أكدت التجربة حتى الآن أن التقنية حين تقترن بالإرادة السياسية والإطار القانوني الصحيح قادرة على مضاعفة كفاءة المؤسسات؛ ففي غضون عامين فقط تمكنت الجمارك العراقية من مضاعفة إيراداتها بنسبة 100%، وانخفضت بشكل ملحوظ مستويات التهرب الجمركي والضريبي عبر المنافذ.
مع ذلك، فإن هذه التجربة سلطت الضوء على ضرورة موازنة أهداف الإصلاح مع اعتبارات الواقع الاقتصادي. فزيادة الإيرادات أمر مهم، لكن يجب تحقيقه دون إلحاق ضرر جسيم بحركة التجارة والنمو الاقتصادي. ولعل الدرس المستفاد هو أهمية التدرج والتخطيط المسبق للتغييرات الكبرى, وإشراك أصحاب المصلحة (كغرف التجارة واتحادات المستوردين) في مناقشة آليات التنفيذ لتفادي أي صدمات. على الصعيد القانوني، قد يتطلب الأمر تحسين بعض التشريعات التنظيمية كما أسلفنا، ولكن الأهم هو الاستمرار في دعم إنفاذ القانون عبر أدوات التكنولوجيا الحديثة لضمان الشفافية والعدالة.
في المحصلة، وفر الأسيكودا منصة قوية للعراق للانطلاق نحو عصر جديد من الإدارة المالية المبنية على البيانات والدقة. وإذا ما تواصل تطوير هذه المنظومة ومعالجة التحديات الناشئة أولاً بأول، فسيكون العراق قد وضع أساساً رصيناً لتعظيم موارده غير النفطية ودعم اقتصاده الوطني بشكل مستدام، ضمن إطار قانوني حديث يواكب المعايير الدولية ويحقق المصلحة العامة.
للحصول على استشارة قانونية عملية حول تطبيق الأسيكودا والأمانات الضريبية والامتثال الجمركي، تواصل مع شركة أسامة طعمة للخدمات القانونية والإستشارات — شركة محاماة في العراق — لضمان حقوقك وتقليل المخاطر.